صديق الحسيني القنوجي البخاري
31
فتح البيان في مقاصد القرآن
فعل لها في ذلك ، وحكى سيبويه ركضت الدابة فركضت مثل جبرت العظم فجبر . هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ هذا أيضا من مقول القول المقدر ، وفي الكلام حذف والتقدير فركض برجله فنبعت عين فقلنا له هذا مغتسل الخ وظاهر النظم الكريم أن الاغتسال والشرب كانا من عين واحدة والمغتسل هو الماء الذي يغتسل به والشراب الذي يشرب منه ، وقيل إن المغتسل هو المكان الذي يغتسل فيه ، قال قتادة : هما عينان بأرض الشام في أرض يقال لها الجابية فاغتسل من إحداهما فأذهب اللّه ظاهر دائه وشرب من الأخرى فأذهب اللّه باطن دائه ، وكذا قال الحسن ، وقال مقاتل نبعت عين جارية فاغتسل فيها فخرج صحيحا ، ثم نبعت عين أخرى فشرب منها ماء عذبا باردا . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 43 إلى 45 ] وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 43 ) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 44 ) وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ ( 45 ) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ معطوف على مقدر كأنه قيل فاغتسل وشرب فكشفنا عنه بذلك ما به من ضر ووهبنا له أهله قيل أحياهم اللّه بعد أن أماتهم وقيل جمعهم بعد تفرقهم ، وقيل غيرهم مثلهم ، ثم زاده مثلهم معهم ، وهو معنى قوله : وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ فكانوا مثلي ما كانوا من قبل ابتلائه رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ أي وهبناهم له لأجل رحمتنا إياه وليتذكر بحاله أولو الألباب ، فيصبروا على الشدائد كما صبر ، ويلجؤوا إلى اللّه كما لجأ ليفعل بهم ما فعل به من حسن العاقبة : وقد تقدم في سورة الأنبياء تفسير هذه الآية مستوفى فلا نعيده . وَخُذْ معطوف على اركض ، أو على وهبنا ، أو التقدير وقلنا له خذ بِيَدِكَ ضِغْثاً هو عثكال النخل بشماريخه ، وقيل هو قبضة من حشيش مختلط رطبها بيابسها ، وقيل الحزمة الكبيرة من القضبان ، وأصل المادة تدل على جمع المختلطات ، قال الواحدي الضغث ملء الكف من الشجر والحشيش والشماريخ ، وعن ابن عباس قال : الضغث هو الأسل ، وقال أيضا الضغث القبضة من المرعى الرطب ، وقال أيضا الحزمة . فَاضْرِبْ بِهِ أي بذلك الضغث وَلا تَحْنَثْ في يمينك والحنث الإثم ويطلق على فعل ما حلف على تركه ، أو ترك ما حلف على فعله ، لأنهما سببان فيه ، وكان أيوب قد حلف في مرضه أن يضرب امرأته مائة جلدة ، واختلف في سبب ذلك فقال سعيد بن المسيب إنها جاءته بزيادة على ما كانت تأتيه به من الخبز فخاف خيانتها فحلف ليضربها .